
أخويا اللي كنت فاكرة إنه أخويا.
كان قميصه مبلول من المطر، ووشه مليان غضب وتوتر، أما نهلة فكانت واقفة عند الباب، وعينيها بتلف في المكان كله بطريقة خلتني أحس إنها مش شايفة مكتب محاماة أصلًا، لكنها شايفة حياة جديدة بتحلم بيها، حياة كلها فلوس وقصور وحمامات سباحة.
أما عبدالرحمن المنشاوي فابتسم أول ما شافني.
ابتسامة هادئة ومهذبة من بره.
لكنها ما وصلتش لعينيه.
وقال
هناء.
سعيد جدًا إني أخيرًا قابلتك.
وأحب أقول إني آسف جدًا على وفاة والدتك.
والله العظيم ما صدقته.
بنفس الدرجة اللي ممكن أصدق بيها ورقة مزورة.
فضلت باصة له ثواني طويلة.
وبعدين قلت ببرود
ما تجيبش سيرة أمي بالنبرة دي.
الابتسامة ثبتت على وشه للحظة.
وبعدين اختفت.
وفي اللحظة دي اتحرك سامح خطوة لقدام.
وقال
هناء… بلاش تصعبي الموضوع.
الناس دي جاية تساعدك.
ضحكت ضحكة قصيرة من كتر القهر.
وقلت
تساعدني؟
زي ما ساعدت أمي وهي مش لاقية تمن دواها؟
وش سامح احمر فورًا.
وقال بعصبية
ما تلفيش الكلام.
لكن قبل ما أكمل سمعت صوت نهلة جاي من ناحية الباب.
وقالت وهي رافعة حاجبها
يا بنتي كفاية بقى.
أمك نفسها كانت مخبية عنك كل حاجة.
بصي كمية الأسرار اللي كانت عايشة بيها.
في اللحظة دي حسيت النار ولعت جوايا.
وقفت من مكاني مرة واحدة.
وبصيتلها مباشرة.
وقلت
إوعي تجيبي سيرة أمي على لسانك تاني.
ولا مرة.
ولا كلمة.
سكتت
نهلة.
أما عبدالرحمن فرفع إيده بهدوء كأنه بيحاول يهدّي الجو.
وقال بصوت ناعم محسوب
كلنا متوترين دلوقتي.
وكلنا تحت ضغط.
لكن الحقيقة إن فيه حل بسيط جدًا لكل اللي بيحصل ده.
وبعدين قعد على الكرسي المقابل وكمل
إحنا ممكن نتفق على تسوية مناسبة ليكي.
تعويض مالي كبير.
كبير جدًا.
ونقفل الملف ده كله من غير مشاكل.
ومن غير فضايح.
ومن غير قضايا.
وساعتها كل واحد يكمل حياته.
وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
والدتك عاشت بالطريقة اللي كانت عايزة تعيش بيها.
والله العظيم في اللحظة دي حسيت إن قلبي هيخرج من صدري من كتر الغضب.
لأن الراجل ده كان بيتكلم عن سنين وجع أمي كأنها كانت رحلة اختارتها بمزاجها.
عن الجوع كأنه قرار.
وعن الخوف كأنه رفاهية.
وعن الهروب كأنه أسلوب حياة.
فبصيت له مباشرة.
وقلت
أمي ما عاشتش بالطريقة اللي كانت عايزة تعيش بيها.
أمي عاشت مستخبية لأنكم دفنتوها وهي عايشة. أمي اتقتلت على الورق علشان تعرفوا تاخدوا حقها كله.
بص الأستاذ شريف ناحية عبدالرحمن المنشاوي نظرة ثابتة، وبعدين قال بهدوء غريب كان أخطر من أي صوت عالي
الأستاذة هناء عرفت بالفعل موضوع شهادة الوفاة المزورة.
والله العظيم أول مرة أشوف اللون يهرب من وش عبدالرحمن بالشكل ده.
الابتسامة اللي كان محافظ عليها من أول ما دخل اختفت للحظة.
ولثواني قليلة بان عليه الارتباك.
لكن واحد من المحامين اللي واقفين وراه تدخل بسرعة وقال
الموضوع ده قابل لأكتر من تفسير قانوني.
لف الأستاذ شريف ناحيته ببطء.
وبعدين فتح ملف تاني من الملفات اللي كانت قدامه.
وقال
وهي كمان عرفت موضوع التحويلات المالية اللي كانت بتتبعت مقابل السكوت.
وعرفت التهديدات.
وعرفت إن فيه وصية قانونية صحيحة ومكتملة الأركان.
ما كملش جملته.
لأن سامح انفجر فجأة.
وضرب بإيده على المكتب وهو بيقول بعصبية
الوصية دي باطلة!
أنا ابنها!
في اللحظة دي بصيت له.
ولأول مرة من ساعة بدأت الحكاية كلها…
ما بصيتلوش بغضب.
ولا بكره.
ولا حتى بقهر.
بصيتله بحزن.
حزن كبير أوي.
الحزن اللي بيجي لما تكتشفي إن الشخص اللي قدامك ضيّع نفسه بإيده.
وقلت بهدوء
هي ربّتك كابن.
وده لوحده أكتر بكتير مما كنت تستحق.
ساعتها وش سامح اتغير.
والله العظيم شوفته بعيني وهو يستوعب الحقيقة.
استوعب إني عرفت.
استوعب إني قريت الجواب.
استوعب إن السر اللي متخبي طول عمره انتهى.
فتح بقه بالعافية وقال
هناء…
لكنني قاطعته.
وقلت وأنا حاسة بقلبي بيتوجع
أمي أخدتك وهو عندك تلات شهور.
لما ماكانش ليك حد.
ربتك.
وأكلتك.
ودخلتك مدارس.
وشالتك على كتفها زي ما شالتني بالظبط.
وعمرها ما فرقت بيني وبينك.
بل يمكن خافت عليك أكتر ما خافت على نفسها.
صوتي بدأ يهتز رغم إني كنت بحاول أتماسك.
لكنني كملت
وفي الآخر سبتها تموت وهي مش لاقية قرص دوا واحد.
نزل سامح عينيه للأرض.
وامتلت عينيه بالدموع.
لكن والله العظيم ما قدرت أعرف إذا كانت دموع ندم.
ولا دموع خوف.
ولا دموع واحد اكتشف إن اللعبة كلها انتهت.
وبعد ثواني قال بصوت مكسور
نهلة قالتلي إن الست ماعندهاش حاجة.
إنها طول عمرها فقيرة.
إن مفيش فايدة من التعب معاها.
ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة.
لأن أسهل حاجة في الدنيا إن الإنسان يرمي ذنبه على حد تاني.
فبصيت له وقلت
نهلة ما خلتكش قاسي يا سامح.. نهلة ما خلتكش تسيب أمي وهي عيانة. نهلة ما خلتكش ترفض تساعدها ونهلة ما خلتكش تنسى كل اللي عملته علشانك.
وسكتُّ لحظة. وبعدين قلت الجملة اللي خرجت من قلبي قبل لساني
نهلة بس ادتك الإذن. تعمل الحاجة اللي كنت عايز تعملها من زمان.
فتحت نهلة بقها كأنها هترد.
كأن عندها ألف حاجة عايزة تقولها.
لكن ولا كلمة خرجت.
فضلت واقفة مكانها ساكتة، أما عبدالرحمن المنشاوي فكان قاعد بمنتهى الهدوء، بيخبط بأصابعه على سطح المكتب خبطة خفيفة ومنتظمة، وكأنه مش موجود وسط ناس حياتهم كلها بتنهار قدامهم، وكأن اللي بيتكلموا عنه مجرد صفقة جديدة من صفقاته.
وبعدين رفع عينيه ناحيتي وقال بصوت هادي جدًا
يا هناء…
فكري كويس قبل ما تاخدي أي قرار.
وسكت لحظة قصيرة قبل ما يكمل
الدخول في مواجهة مع عيلة زي عيلتنا ممكن ياخد سنين.
سنين من المحاكم.
وسنين من المحامين.
وسنين من الضغط والتعب والكلام في الجرائد.
وبعدين مال لقدام شوية وقال
إنتِ جاية من حي بسيط.
وعشتِ حياة بسيطة.
وما تعرفيش الدنيا دي بتشتغل إزاي.
ولا الناس اللي في المستوى ده بتلعب إزاي.
فضلت باصة له كام ثانية.
وبعدين اتحركت خطوة ناحية المكتب.
خطوة واحدة بس.
لكنها كانت كفاية تخليه يرفع عينيه ناحيتي باهتمام.
وقلت
عندك حق.
وفجأة ابتسامة صغيرة ظهرت على وشه.
ابتسامة واحد افتكر إنه كسب.
وقال
سعيد إنك فهمتي.
لكنني كملت قبل ما يفرح أكتر.
وقلت
عندك حق.
أنا فعلًا ما أعرفش الناس دي بتشتغل إزاي.
وما أعرفش الصفقات اللي بتتعمل في القصور.
وما أعرفش إزاي ممكن حد
كن في حاجة واحدة أعرفها.
سكت المكان كله.
أما أنا فكملت وأنا ببص في عينيه مباشرة
أمي ما سابتش وراها كلام.
أمي سابت ورق.
وسابت تسجيلات.
وسابت تواريخ.
وسابت توقيعات.
وسابت نسخ في أكتر من مكان.
وسابت الحقيقة كلها مكتوبة.
وحفظتها أكتر ما حفظت فلوسها.
وبعدين أخدت نفس عميق وقلت
وأهم حاجة إنها علمتني أعيش وأنا جعانة.
علمتني أستحمل الفقر.
وأستحمل التعب.
وأستحمل الوحدة.
لكن عمرها ما علمتني أخاف.
لا من التهديد.
ولا من الناس اللي فاكرة إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة.
ساد الصمت في المكتب.
صمت تقيل.
لثواني محدش اتكلم فيها.
وفجأة الباب اتفتح مرة تانية.
كل العيون اتلفتت ناحية الباب.
ودخلت الممرضة اللي كنت كلمتها في التليفون.
لكنها ما كانتش لوحدها.
كان معاها ست كبيرة في السن قاعدة على كرسي متحرك.
شعرها أبيض بالكامل.
ولبسها شيك وبسيط في نفس الوقت.
وفيها هيبة غريبة خلت كل اللي في المكتب يتجمدوا للحظة.
والله العظيم حتى عبدالرحمن نفسه اتغير وشه.
وسامح بطل يتكلم.
ونهلة سكتت.
أما عبدالرحمن فخرجت منه كلمة بالكاد اتسمعت
ستي…
رفعت الست عينيها ببطء.
وبصتلي.
وفي اللحظة دي حسيت إن قلبي اتقبض.
لأن عينيها كانوا شبه عيون أمي بشكل مخيف.
نفس النظرة. نفس الهدوء. نفس الحزن القديم.
فضلت باصة لي ثواني طويلة.
وبعدين قالت بصوت مرتعش
إنتِ هناء؟
ما رديتش. ما عرفتش أرد أصلًا. لأن الصدمة كانت أكبر من الكلام.
وفجأة لقيت الدموع بتلمع في عينيها.
وبعدين قالت أنا بهية المنشاوي أم مريم وجدتك.
والله العظيم حسيت إن الأوضة كلها بتميل بيا للحظة، واضطريت أمسك طرف الكرسي علشان أحافظ على توازني، لأن الست اللي قاعدة قدامي على الكرسي المتحرك ما كانتش مجرد ست كبيرة في السن ظهرت فجأة وسط كل الأسرار دي، دي كانت الست اللي اسمها مكتوب في الأوراق، والست اللي طول عمري ما سمعتش عنها حرف واحد، والست الغنية صاحبة القصور والأراضي والشركات، والست اللي كنت متخيلة طول الوقت إنها سمحت لبنتها تضيع وتتنسى وتموت لوحدها.
وقف الأستاذ شريف من مكانه وقال بهدوء
الحاجة بهية طلبت بنفسها إنها تكون موجودة النهارده.
في اللحظة دي فقد عبدالرحمن آخر جزء من هدوءه.
ولأول مرة من ساعة ما دخل المكتب شفت القناع يقع من على وشه بالكامل.
وقال بعصبية واضحة
حضرتك ما كانش المفروض تخرجي من القصر.
رفعت الحاجة بهية عينيها ناحيته.
وكان في نظرتها تعب سنين طويلة.
تعب ناس شافت أكتر مما قدرت تتحمله.
وقالت بصوت هادي لكنه حاد بشكل خلّى المكان كله يسكت
وأمك ما كانش المفروض تسرق عمر بنتي هي كمان.
لكن أهو…
عدّت سنين طويلة وأنا سايبة ده يحصل.
وقع الصمت على المكتب كله.
صمت تقيل.
صمت مليان بذكريات وأسرار وذنوب عمرها عشرات السنين.
وبعدين مدّت إيدها ناحيتي ببطء.
إيد مرتعشة من السن.
لكنها كانت ممدودة ليا.
أنا بصيت للإيد.
لكن ما اتحركتش.
ما قدرتش. لأن قلبي كان مليان أسئلة أكتر من أي حاجة تانية.
فضلت مكاني. فأنزلت إيدها بهدوء.
وقالت وهي باصة لي مباشرة أنا اللي ساعدت مريم تهرب. أنا اللي طلعتها من البيت. وأنا اللي دبرتلها الاسم الجديد والمكان اللي تبدأ فيه حياتها من أول وجديد.
سكتت لحظة. وبعدين كملت بصوت اتكسر في آخر الكلام
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




