
جوزي طلقني بعد 25 سنة جواز، لكن اللي اكتشفته بعد سنة خلاني أشك في أقرب الناس ليا!!!!!
أنا نادية، عندي ٤٥ سنة، قضيت خمسة وعشرين سنة من عمري مع جوزي شريف، وكنت فاكرة إن العِشرة الطويلة كفاية تحمي أي بيت من الانهيار.
اتجوزته وأنا عندي عشرين سنة، وبدأنا حياتنا من الصفر. كان مرتبه بالعافية يكفّي مصاريفنا، وكنت بساعده على قد ما أقدر، وأقف جنبه في كل أزمة لحد ما ربنا كرمه وفتح له باب رزق.
خلفت له خمسة عيال، وكنت شايلة مسؤوليتهم لوحدي تقريبًا. بين الحمل والولادة والتربية وشغل البيت، نسيت نفسي، وكل اللي كان يهمني إن عيالي يكبروا في أمان، وجوزي يحقق أحلامه.
عمري ما حسيت إن تعبي تقيل، ولا ندمت على السنين اللي قضيتها معاه. كنت بشوف نجاحه بعيني، وأحس إن كل خطوة بيحققها هي نجاح لينا إحنا الاتنين.
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن النجاح ساعات بيغيّر النفوس، وإن فيه ناس أول ما ربنا يفتح عليها، بتنسى مين كان معاها وهي بتبدأ من الصفر.
بدأ شريف يتغير واحدة واحدة. بقى يهتم بلبسه أكتر، ويتأخر بره البيت، وموبايله ما بيفارقش إيده. ولما كنت أسأله عن سبب تغيّره، كان يرد بعصبية ويقول إني بقيت كثيرة الأسئلة وإنه مش ناقص وجع دماغ.
كنت بحاول أقنع نفسي إن دي ضغوط الشغل، وإن كل راجل ناجح بيبقى عنده مسؤوليات كتير، لكن جوايا كان فيه إحساس بيكبر يوم بعد يوم إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل.
وفي الفترة دي، بدأت ألاحظ إنه بقى ينتقد شكلي باستمرار. مرة يقول لي إني أهملت نفسي، ومرة يتريق على لبسي، ومرة يقارنني بستات أصغر مني، وكأنه نسي إن السنين اللي عدت عليّا هي نفسها السنين اللي كان فيها بيبني حياته وأنا شايلة عنه البيت والعيال.
كنت بزعل، لكن ما كنتش بحب أشتكي لحد. كنت بقول لنفسي إن دي فترة وهتعدي، وإن شريف مهما اتغير، أكيد مش هينسى العِشرة اللي بينا.
لحد ما جه يوم عيد ميلادي الخامس والأربعين. صحيت من بدري، وجهزت الأكل اللي شريف بيحبه، وقلت يمكن لما يرجع من الشغل نحتفل سوا، حتى لو احتفال بسيط وسط ولادنا الخمسة.
كنت مستنية اليوم ده من غير ما أطلب منه هدية غالية أو أي حاجة خاصة. كل اللي كنت عايزاه إنه يحسسني إني لسه مهمة في حياته، وإن خمسة وعشرين سنة جواز ما كانوش مجرد وقت عدى وخلاص.
لكن شريف رجع البيت متأخر، ووشه كان جامد بشكل غريب. دخل الصالة، وطلب مني أجمع العيال كلهم عشان عنده كلام مهم. استغربت، لكن ناديت عليهم. ولما اتجمعنا، وقفت قدامه وأنا مستنية أعرف إيه الموضوع اللي مخليه جاد بالشكل ده.
بص لي شوية، وبعدها قال بمنتهى البرود: أنا قررت أطلقك يا نادية.
في البداية افتكرت إنه بيهزر، أو يمكن بيحاول يخوفني بسبب مشكلة حصلت بينا، فضحكت ضحكة صغيرة وقلت له: تطلقني إيه يا شريف؟ هو إحنا صغيرين عشان تتكلم بالطريقة دي؟
لكنه ما ضحكش، ولا حتى حاول يشرح. قال قدام ولادنا: أنا اتخنقت من الحياة دي، ومش عايز أكمل معاكي. إنتِ بقيتي ست كبيرة، وأنا لسه قدامي عمر عايز أعيشه.
حسيت إن الكلام نزل عليّا زي الصاعقة. بصيت لولادي، لقيت الصدمة على وشوشهم، ومحدش فيهم قادر يستوعب إن أبوه بيهدم بيتهم في اللحظة دي.
حاولت أتمسك وسألته: بعد خمسة وعشرين سنة يا شريف؟ بعد ما كبرنا عيالنا، وبعد ما وقفت جنبك لحد ما بقيت في المكانة اللي إنت فيها؟
رد عليّا من غير أي إحساس بالذنب: كل واحد بياخد نصيبه من الحياة، وإنتِ نصيبك معايا خلص.
وبعدين قال الجملة اللي فضلت ترن في ودني أيام طويلة: صلاحيتك انتهت يا نادية! وأنا مش هضيّع باقي عمري مع واحدة كبرت في السن.
ما قدرتش أرد عليه. كنت حاسة إن كل السنين اللي عشتها معاه بتعدي قدام عيني، من أول يوم اتجوزنا فيه وإحنا مش لاقيين تمن أبسط احتياجاتنا، لحد الأيام اللي كنت بشيل فيها مسؤولية البيت لوحدي عشان هو يقدر ينجح. وفي الآخر، كان ده جزائي.
ابني الكبير حاول يتدخل، وقال له بغضب: إنت بتقول إيه يا بابا؟ دي أمنا، والست اللي عاشت معاك عمرها كله!
لكن شريف طلب منه ما يتدخلش في اللي مالوش فيه، وأصر على قراره.
في الليلة دي، ما نمتش. فضلت قاعدة في أوضتي، ببص على هدومي وحاجتي، ومش مصدقة إني بعد كل السنين دي هسيب البيت اللي كنت فاكرة إني هعيش فيه لآخر عمري.
وفي الصبح، لمّيت حاجتي الأساسية، وخرجت وأنا بحاول أخبي دموعي عن ولادي. ما كنتش عايزة أحسسهم إني انهزمت، رغم إني كنت حاسة إن جزء كبير من عمري انتهى في اللحظة دي.
الأيام الأولى كانت صعبة جدًا. كنت بصحى من النوم وأنسى للحظة إني بقيت مطلقة، وبعدها أفتكر كلام شريف، وأحس بوجع كأن الموقف بيتكرر من جديد.
لكن بعد فترة، قررت إني مش هسمح له إنه يكسرني مرتين. بدأت أعمل أكل في البيت وأبيعه للجيران والمعارف. في الأول كنت بعمل طلبات بسيطة، وبعدها الناس بدأت ترشحني لبعض، وشغلي كبر بالتدريج.
تعبت كتير، لكن المرة دي كنت بتعب عشان نفسي، وبنيت خطوة خطوة حياة جديدة أقدر أعتمد فيها على نفسي.
أما شريف، فما كملش وقت طويل بعد طلاقنا إلا واتجوز واحدة أصغر مني اسمها ريم. عرفت من الناس إنه كان بيجهز لها حياة مختلفة، وإنه أخيرًا لقى الست اللي كان بيدور عليها.
ما حاولتش أسأل عنه، ولا دخلت في تفاصيل حياته. كنت خلاص قررت أقفل الباب ده، وأهتم بنفسي وولادي، وأثبت لنفسي قبل أي حد إن قيمتي مش مرتبطة برأي راجل قرر يستغنى عني.
عدت سنة كاملة على طلاقي، وبدأت أحس إن حياتي رجعت تستقر، وإن أثر شريف بدأ يخف، حتى لو أثره لسه موجود جوايا. لحد ما في يوم، تليفوني رن، وكانت سلوى، أخت شريف.
رديت عليها، فسمعت صوتها متوتر، وقالت بسرعة: نادية، إنتِ قاعدة؟ عايزة أقولك حاجة، بس بالله عليكي اسمعيني للآخر.
قلبي اتقبض، وسألتها: فيه إيه يا سلوى؟ شريف جراله حاجة؟
سكتت لحظات، وبعدها قالت: شريف في المستشفى يا نادية، وحالته مش كويسة. وريم سابته ومشيت، ومحدش عارف هي راحت فين.
اتلخبطت مشاعري. جزء مني افتكر كل الوجع اللي سببهولي، وجزء تاني افتكر إنه مهما حصل، فهو أبو ولادي، والعشرة اللي بينا مش سهلة تتنسي.
بعد تردد، قررت أروح المستشفى وأطمن عليه. لما دخلت أوضته، لقيته مرهق ووشه شاحب، وملامحه اتغيرت بشكل واضح. أول ما شافني، حاول يقوم من مكانه، لكنه ما قدرش.
بص لي وقال بصوت ضعيف: نادية إنتِ جيتي؟
رديت بهدوء: أنا جاية أطمن عليك، مش أكتر.
نزل عينيه، وفضل ساكت شوية، وبعدها قال: أنا عارف إني ظلمتك، وعارف إن مفيش كلام يصلح اللي عملته فيكي. بس فيه حاجة لازم تعرفيها.
سألته باستغراب: حاجة إيه؟
طلب مني أفتح الدرج اللي جنب السرير. فتحته، فلقيت مفتاح صغير جوه علبة قديمة. ناولته له، لكنه رجعهولي وقال: خليه معاكي. المفتاح ده هيوصلك لحاجة لازم تشوفيها بنفسك.
مسكت المفتاح وأنا مش فاهمة قصده، وسألته: إيه اللي إنت مخبيه يا شريف؟
بص لي بنظرة غريبة، وقال: أوعي تثقي في أي حد يقولك إنه كان بيحاول يحميكي حتى لو كان أقرب الناس ليكي.
خرجت من المستشفى وأنا دماغي مليانة أسئلة. مين الشخص اللي بيتكلم عنه؟ وإيه علاقة المفتاح بكل اللي حصل؟ وليه قرر يتكلم بعد سنة كاملة من طلاقنا؟
وأنا خارجة، لقيت ابني كريم مستنيني. ركبنا العربية، لكنه فضل ساكت طول الطريق، لحد ما وقفت وبصيت له. قلت له: مالك يا كريم؟ من ساعة ما خرجنا وإنت متغير. فيه إيه؟
بص لي بتردد، وبعدها طلع موبايله وفتح صورة قديمة. أول ما شفتها، حسيت إن نفسي اتسحب مني. كانت الصورة متصورة في يوم عيد ميلادي اللي شريف طلقني فيه، وكان واقف فيها جنب ست أنا أعرفها كويس جدًا، ست ما كنتش أتخيل أبدًا إن اسمها ممكن يرتبط باللي حصل لي.
فضلت أبص للصورة وأنا مش قادرة أستوعب، وبعدها رفعت عيني لكريم وسألته بصوت مرتعش: إنت جبت الصورة دي منين؟ وإيه اللي يربط الست دي بأبوك؟
كريم بلع ريقه، وبص لي كأنه بيحاول يجمع شجاعته قبل ما يتكلم. وقبل ما أمد إيدي آخد منه الموبايل، ظهرت على شاشته رسالة جديدة من نفس الرقم اللي بعت له الصورة، مكتوب فيها: لو فاكرة إن شريف طلقك عشان كبرتي في السن، تبقي غلطانة.. شريف اتلعب عليه، وإنتِ وهي كنتوا الضحية، بس هي قبضت التمن!
إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الموبايل. بصيت لكريم وقلت له بصوت مخنوق ومصطدم: دي.. دي هالة صحبتي؟ هالة اللي كانت بتدخل بيتي أكتر من أختي؟ هالة اللي كانت بتسمع كل شكواي وتطبطب عليا وتستغفر معايا؟ إيه اللي جابها جنب شريف يوم طلاقنا؟
كريم وطّى راسه وقال بصوت مكسور: أنا أسف يا أمي.. الصورة دي وصلتني من أسبوع، وما رضيتش أقولك عشان ما أهدّش اللي بنيتيه في السنة دي.. بس المفتاح اللي معاكي ده يا أمي، أنا عارف يخص إيه.
قلبي كان بيدق زي الطبلة، حاسة إن الهوا بيقل حوليا. يخص إيه يا كريم؟ انطق يا ابني! أبوه قال لي أوعي تثقي في أقرب الناس ليكي!
كريم بص لي وقال: المفتاح ده يخص درج مكتب أبويا القديم في مقر شركته القديمة.. المكان اللي مهجور من سنة. أبويا قبل ما يتجوز ريم وقبل ما يطلقك، نقل كل حاجة لهناك. أنا شاكك إن هالة كانت بتلعب لعبة كبيرة على أبويا وعليكي!
ما استنيتش ثانية، قلت لكريم: اطلع بينا على المكان ده فوراً يا كريم!
طول الطريق، كل مشهد في الـ ٢٥ سنة عدى قدام عيني.. هالة اللي كانت بتجيلي كل يوم، تقول لي يا نادية شريف شكله اتغير، يا نادية خلي بالك ده عينيه زايغة، يا نادية الراجل لما ربنا بيفتحها عليه بيبص بره.. كنت فاكراها خايفة عليا وبتحذرني، لكن اتاريها كانت بتبذر السم في جسم بيتي وهي بتضحك في وشي!
وصلنا الشقة القديمة اللي فيها المكتب. المكان كان مغبر وساكت يقطع القلب. دخلت وبسرعة على المكتب، طلعت المفتاح وخرم الدرج كان مستني. حطيت المفتاح ولفيته.. صوت الفتح كان زي صوت سر مكتوم من سنة!
فتحت الدرج، ولقيت جواه أوراق كتير، وفلاشة صغيرة، ودفتر مذكرات بخط إيد شريف. مسكت الدفتر وفتحته على آخر صفحات مكتوبة قبل طلاقنا بأيام.. وكان شريف كاتب: أنا بعت كل حاجة.. هالة أقنعتني إن نادية بتخون ثقتي وبتحول فلوسي لحساب ولادها من غير علمي.. ورتني عقود ومستندات بتقول إن نادية ناوية ترفع عليا حجر وتأخد كل ثروتي.. أنا اتعميت بالشك. هالة جابت لي ريم عشان تخليني أتجوزها وأنسى نادية.. بس اليوم اكتشفت إن العقود مزورة، وإن هالة وريم كانوا متفقين عليا عشان يسبقوا وياخدوا الشركة والفلوس لحسابهم!
شهقت وأنا بقرأ الكلام، دموعي نزلت مش عشان شريف، لكن عشان الصدمة! هالة؟ هالة اللي كنت بتقاسم معاها اللقمة؟ هالة اللي كانت بتعيط لما عيالي يتعبوا؟
كريم مسك الفلاشة وحطها في ممر الموبايل، وفتح التسجيلات الصوتية اللي عليها.. سمعنا صوت هالة بوضوح وهي بتسابق ريم وبتقول لها: شريف خلااااص بلع الطُعم، طلق نادية ورماها من غير مليم زي ما اتفقنا.. دلوقتي دورك تخليه يكتب لك الفيلا والأسهم قبل ما يكتشف إن الورق اللي وريتهوله عن نادية مزور!
جسمي كله كان بيترعش. الحقيقة كانت أبشع بكثير من الطلاق. شريف ما طلقنيش عشان كبرت في السن بس.. شريف طلقني لأنه كان مخدوع وموهوم من الأخت اللي ما ولدتهاش أمي! وهالة ما اكتفتش بتحطيم بيتي، دي استغلت ضعف شريف وغروره ورمته لما خدت اللي عايزاه، وسابته يواجه المرض والندم لوحده في المستشفى!
بصيت لكريم وقلت له بصوت ملوش علاقة بالضعف اللي كنت فيه من سنة: يا كريم.. أبوه اتظلم وصُدم، بس هو اللي اختار يصدق الغريب ويبيع العِشرة.. والمفتاح ده ما جاليش عشان أرجع له، المفتاح ده جالي عشان أخد حق السنين وحق ولادي اللي اتظلموا!
خرجت من الشركة القديمة وأنا ماسكة الفلاشة والأوراق في إيدي، وعيني على شاشة الموبايل اللي كانت لسه بتنعكس عليها رسالة الغدر.. وعرفت إن المواجهة الحقيقية لسه هتبدأ.. مواجهة مع الوشوش اللي كانت بتضحكلي وهي بتدبحني!
ركبت العربية مع كريم وأنا ماسكة المستندات والفلاشة في إيدي زي اللي ماسكة جمرة نار. عينيا كانت بتطلع شرار، وضربات قلبي مكنتش سريعة بس.. دي كانت طالعة في نفوخي.
بصيت لكريم وقلت له بصوت حاسم يقطع الشك باليقين: اطلع بينا على بيت هالة يا كريم.. الحساب جه، والست دي لازم تدفع تمن كل دمعة نزلت من عيني ومن عين ولادي!
كريم بص لي بقلق وقال: يا أمي استني نبلغ الشرطة الأول، الفلاشة والأوراق دي فيها أدلة تزوير واستيلاء على ممتلكات شركة أبويا، الشرطة هي اللي تتصرف!
صرخت فيه بصوت مليان غضب السنين: شرطة إيه يا كريم؟! أنا اللي لازم أقف في وشها وأبص في عينيها! أنا اللي عايزاها تشوف نادية اللي كانت فاكراها كبرت وانتهت، وهي بتدمر لها كل اللي بنته بالخباثة والمكر! اطلع فوراً!
طول الطريق، كل تفصيلة كانت بتترتب في دماغي.. هالة مكنتش بس صاحبتي، دي كانت كاتمة أسراري. كانت عارفة كل نقطة ضعف في حياتي وفي حياة شريف. اتفقت مع ريم عشان يدخلوا على شريف من ناحية غروره، ويزوروا ورق يخليه يشك فيا، وفي الآخر ياخدوا كل حاجة ويترمى شريف في الشارع زي ما رماني!
وصلنا عمارتها الفخمة في التجمع.. العمارتين اللي اشترتهم من فلوس استغلالها على جوزي.
طلعت السلم ومش حاسة برجليا، وكريم ماشي ورايا بيحاول يهديني. وقفت قدام الباب، وضربت الجرس بضغط متواصل مبيقفش.
بعد ثواني، اتفتح الباب، وظهرت هالة.. كانت لابسة أشيك حاجة، ومبتسمة ابتسامة النصر، لكن أول ما شافتني أنا وكريم واقفين قدامها، الابتسامة اتمحت من على وشها واللون هرب من ملامحها!
قلت لها بنبرة تهز الجبال: إيه يا هالة؟ مصدومة ليه؟ مش متوقعة تشوفيني واقفة على رجليا؟ ولا فاكرة إن لعبتك أنتِ وريم هتستمر للأبد؟
هالة بلعت ريقها بحيرة وتحفز، وحاولت تتصنع القوة وقالت: نادية؟! إيه الطريقة دي؟ وإيه اللي جابك هنا في الوقت ده؟ أنتِ اتجننتي ولا إيه؟
زقيت الباب بدراعي ودخلت رغماً عنها، وكريم دخل ورايا وقفل الباب بالمفتاح.
هالة برقت عينيها وقالت برعب: أنتوا بتعملوا إيه؟ أنا هطلب الشرطة!
طلعت الفلاشة والورق من شنطتي ورميتهم في وشها على الترابيزة، وقلت لها بصوت زي الرعد: اطلبي الشرطة يلا! اطلبيها عشان تفرجي مصر كلها على اعترافاتك أنتِ وريم بالصوت والصورة! اطلبي الشرطة عشان يشوفوا عقود الشركة المزورة اللي ضحكتي بيها على شريف ورميتيه في المستشفى بعد ما سرقتوا شقى عمره!
هالة بصت للورق والفلاشة، وجسمها بدأ يترعش بجد. وشها بقى أصفر زي الليمونة، وقالت بتلعثم: أنتِ.. أنتِ جبتي الورق ده منين؟ شريف.. شريف خرف وقال لك حاجة؟
قربت منها خطوة بخطوة، وأنا حاسة إن قوة الدنيا كلها في جسمي: شريف ما خرفش يا هالة.. شريف صحي، بس بعد فوات الأوان. لكن المفتاح اللي افتكرتي إنك اتخلصتي منه رجع لإيدي أنا! الصاحبة الأخت، اللي كانت بتاكل في بيتي وتنام في سري، طلعت هي الثعبان اللي بيقرصني في ظهري!
وفجأة.. الباب الجانبي للصالون اتفتح، وخرجت منه ريم! ريم كانت واقفة ووراها شنط سفر كتير، شكلها كانت بتلم حاجتها عشان تهرب بره البلد بعد ما اللعبة تقلت!
أول ما ريم شافتني، بصت لهالة بغضب وقالت: إيه ده يا هالة؟ مش قلتي لي الشقة أمان ومحدش عارف مكاننا؟! إيه اللي جاب دي هنا؟!
ضحكت ضحكة مكسورة مليانة تريقة وقلت: يا حلاوة! الحرامية متجمعين عشان يقسموا الغنيمة؟ بس خسارة.. الحفلة خلصت!
ريم طلعت موبايلها بسرعة وكانت هتتصل برقم، لكن كريم اتدخل وحركته كانت أسرع، مسك إيدها وشد الموبايل منها ورماه في الأرض اتكسر نصين.
ريم صرخت: أنت تتجرأ تمد إيدك عليا يا حثالة؟! أبوك كتب لي كل حاجة بيعه وشراء، والشركة والفيلا بقوا باسمي أنا وهالة بالقانون! مش هتقدروا تعملوا حاجة!
رديت عليها بصوت أهدى من الهدوء نفسه، بس يرعب: بالقانون؟ العقود اللي معاكي مزورة بتوقيعات منسوبة ليا ولشريف، والتسجيل اللي على الفلاشة دي فيه صوت هالة وهي بتقول لك إن الورق مزور وإن شريف بلع الطعم! تفتكري النيابة لما تسمع التسجيل ده وتشوف مذكرات شريف بخط إيده قبل ما يدخل في غيبوبة، القانون هيقف مع مين؟
هالة بصت لريم بغيظ وقالت لها بصوت عالي: قلت لك بلاش التسجيلات دي! قلت لك شريف مش سهل وكنت حاسة إنه بيسجل لنا! أديكي ضيعتينا!
ريم زقت هالة وقالت لها بشراسة: أنا اللي ضيعتك ولا جشعك؟! أنتِ اللي قعدتي تزني في دماغه لحد ما طلقها، وأنتِ اللي اقترحتي نكتب الأسهم باسمك واسمي مناصفة!
فجأة الأقنعة وقعت، وبدأوا ياكلوا في بعض قدام عيني زي الكلاب المسعورة!
وقفت أتفرج عليهم والوجع اللي جوايا يتحول لفخر.. فخر إني مظلومة مش ظالمة، وإني وقفت على رجليا ومن غير ما أحتاج لحد.
سحبت موبايلي من شنطتي، وضغطت على زرار الاتصال بخدمة طوارئ الشرطة.. ورفعت السبيكر وصوتي مسموع للكل: ألو.. النيابة العامة ومباحث الأموال العامة؟ أنا نادية السيد.. ببلغ عن واقعة تزوير واستيلاء على ممتلكات، والمتهمين هالة عبد الفتاح وريم مصطفى، وموجودين معايا في الشقة حالياً وبيحاولوا يهربوا بره البلد!
هالة هجمت عليا عشان تاخد الموبايل وهي بتصرخ: لا يا نادية! أرجوكي يا نادية نزل الموبايل! إحنا عِشرة عمر، بلاش تفضحيني!
كريم وقف في وشها وزقها بعيد، ورجعت ورا وهي بتعيط دموع التمساح. ريم حاولت تاخد شنطتها وتجري ناحية الباب، لكن كريم وقف قدام الباب وقفل السكة تماماً.
قلت للهالة وأنا ببص في عينيها بمنتهى القسوة: عِشرة عمر؟ أنتِ نسيتي العِشرة وأنتِ بتبثي السم في بيتي! نسيتي العِشرة وأنتِ بتقولي لشريف إن صلاحيتي انتهت! صلاحيتي مانتهتش يا هالة.. أنا لسه بدأت، وانتوا الاثنين صلاحيتكم في الدنيا هي اللي انتهت النهاردة!
في خلال ربع ساعة، كانت سرينات عربيات الشرطة يرن صوتها في الشارع تحت العمارة. الباب خبط بقوة، وكريم فتح للضباط. دخلت الشرطة، وفتشت المكان، واستلمت المستندات الأصلية والفلاشة اللي أثبتت التلاعب والاستغلال وتدبير المؤامرة.
الظابط بص للهالة وريم وقال: تتفضلوا معانا على النيابة العامة بتهم التلاعب في المستندات، والاستغلال، والاستيلاء على أموال الغير.
وهما ماشيين والأصفاد في إيديهم، هالة بصت لي بنظرة رجاء وأمل أخيرة وقالت: سامحيني يا نادية.. الشيطان غواني!
رديت عليها وأنا راسي مرفوعة للسما: الشيطان يتعلم منك يا هالة.. وسامحك ربنا، لأن أنا عمري ما هسامح!
خرجت من العمارة وأنا حاسة إن الهوا بيدخل صدري لأول مرة من سنة صافي ونظيف.
رحت أنا وكريم على المستشفى لشريف.. دخلنا الأوضة، كان الأجهزة حواليه بترموز بصوت ضعيف. شريف فتح عينيه بالعافية، وبص لي.. الدمعة نزلت من عينه وهو شايفني ماسكة إيد ابنه.
قربت منه وقلت له بصوت هادي: حقك وحق ولادك رجع يا شريف.. والوشوش المزيفة اتقلع قناعها وراحت للمكان اللي تستاهله.
شريف هز راسه بضعف، وشفايفه تحركت بكلمة واحدة من غير صوت: سامحيني..
وبعدها عينيه اتقفلت، وصوت جهاز القلب طلع نغمة طويلة متواصلة.. شريف غاب عن الدنيا.. غاب بعد ما عرف الحقيقة، وغاب بعد ما دفع تمن غروره وشكه في أكتر واحدة صانته.
وقفت في مراسم وداعه وأنا لابسة أسود، بس قلبي مكنش مكسور.. أنا نادية.. الست اللي قالوا عليها صلاحيتها انتهت، أثبتت للدنيا كلها إن الست لما بتقوم من الصدمة، بتبقى أقوى من أي غدر.
فتحت مشروعي الصغير وكبرته وبقى مطعم كبير باسمي، وولادي الخمسة حوليا بيحبوني وبيحترموني.. وعرفت إن ربنا مابينساش مظلوم، وإن النهاية دايماً بتكون للحق، مهما طال الليل!




