
وحتى لا يزاحم الإمام أو يحرجه، انسحب الشيخ عباس وانتظر عند باب الغرفة. وبينما كان الإمام يوشك على الانتهاء من تجهيز المتوفى، عجز عن إتمام إغلاق وربط الجهة المخصصة للرأس بطريقة صحيحة، فطلب المساعدة من الشيخ عباس قائلاً: «أرجوك تعالَ وأكمل هذا الجزء».
يقول الشيخ: «فقلت في نفسي متعجباً: إمام وخطيب مسجد وحافظ لكتاب الله، أصر بنفسه على القيام بهذا الأمر كاملاً، ثم تعجز يداه عن ربط وإغلاق جهة الرأس؟! لابد إذن أن هناك سراً خفياً وراء هذا الأمر!».
وفوراً، تقدم الشيخ عباس مسرعاً ليُكمل ربط الغطاء، وما إن اقترب حتى نظر إلى وجه الشاب المتوفى، فوقف مذهولاً يغمره التعجب مما رأى.
«لقد رأيت نوراً ربانياً ساطعاً يخرج من وجهه، لم يكن كأنوار الدنيا أبداً، وكان مبتسما، ومن شدة الابتسامة كانت أسنانه واضحة وجلية أمام عيني! حينها فقط تذكرت إمام المسجد، وكأنه تعمد أن يترك هذه اللحظة لي لأرى بنفسي وجه هذا الشاب المبارك».
تدافع المحبين نحو الجنازة
في تلك اللحظة، فتح باب الغرفة، ودخل جميع الإخوة الذين كانوا ينتظرون في الخارج. وما إن نظروا إلى وجه الشاب حتى صاح أحد الحاضرين منبهاً: «يا شيخ، هل تأكدت من وجه هذا الشاب؟»، فأجابه الشيخ: «ألا ترى ما أراه؟»، فقال الرجل: «انظُر إليه يا شيخ، إنه يبتسم!».
بعد ذلك، قام الشيخ عباس بتغطية وجهه، وحملوا الجنازة إلى المسجد قبل صلاة الظهر بساعة كاملة. وما هي إلا لحظات حتى امتلأ المسجد عن آخره، ولم يكتفِ المصلون بالداخل، بل امتلأ الملحق التابع للمسجد، بل وضاق المكان بالحشود الغفيرة حتى أُغلقت الطرق والممرات المؤدية إليه من شدة الازدحام.
وحين أُخرجت الجنازة من المسجد، سارت تتهادى وكأنها تخف في مشيتها من شدة القبول، وتسابق الجميع على حملها من جهة الرأس والوجه متوجهين بها نحو القبلة، حيث حُلَّت الأربطة وغُطي الجسد الطاهر ووُواري التراب.
سر تلك الخاتمة الطيبة
يختتم أحد أقرباء الشاب الحديث عن سيرته العطرة بالقول إن عمره لم يتجاوز الثامنة والعشرين ربيعاً، وكان دائم العمل، يأتي من عمله الشاق ليتناول طعام غدائه، ثم لا يلبث أن ينتظر صلاة العصر فيذهب إلى المسجد وينكفئ على عبادته وقراءته حتى صلاة المغرب. وماذا كان يفعل طوال تلك المدة؟ لقد كان يقضي وقته في تحفيظ الناشئة كتاب الله، إذ كان حافظاً للقرآن الكريم، عابداً تقياً، فكانت تلك النهاية الطيبة ثمرةً لسريرته النقية وعلاقته الدائمة بكتاب الله تعالى.
نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة، وأن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




